الخميس، 8 يناير 2009

إبطال قول من قال إن الله في جهة فوق أو في السماء

إبطال قول من قال إن الله في جهة فوق أو في السماء

الفوقية جاء بها الكتاب والسنة كقوله تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم) سورة النحل- الآية /50/ وقوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) سورة الأنعام /18-61/، وآيات كثيرة وأحاديث وهو معدود من المتشابه وذلك لأن فوق كلمة موضوعة لإفادة جهة العلو، والله تعالى منزه عن الجهات، وإنما المراد منها حيث أطلقت في حق ربنا سبحانه إفادة العلو الحقيقي - أي متصف بصفة العلو لا أن له جهة العلو – ومما يدل على عدم اختصاصه بجهة فوق قوله تعالى: (وهو الله في السموات وفي الأرض) سورة الأنعام /3/، وقوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) سورة الزخرف الآية /84/ – أي المعبود بحق فيهما، وقوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثَمَّ وجه الله) سورة البقرة الآية /115/، وقوله تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) سورة ق الآية /16/، وقوله تعالى: (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) سورة المجادلة الآية /7/، وآيات كثيرة يطول ذكرها، ولو كان في جهة العلو تعارضت هذه الآيات واختلفت وهو منافٍ لقوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) سورة النساء الآية /82/، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فنفى تقييده بجهة فوق (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يُوحى) سورة النجم الآية /3-4/، والذي يجمع بين الآيات والأحاديث أن تعلم أن العلو له اعتباران اعتبار إضافي واعتبار حقيقي فعلو المخلوقات بعضها على بعض إنما هو علو إضافي لأن ما من مخلوق له جهة علو إلا وهو مستغل بالنسبة إلى مخلوق آخر هو فوقه إلا ما يشاء الله وهذا العلو الإضافي قسمان: قسم حسي وهو المفهوم بالنسبة إلى الجهات المكانية المخصوص بالجواهر المفتقرة إلى الحيز، وقسم معنوي وهو المفهوم بالنسبة إلى درجات الكمال العرفاني لأرباب القلوب أو الكمال الوهمي لأرباب التقوى قال تعالى: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) سورة الزخرف الآية /32/، وقال تعالى: (انظر كيف فضّلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً) سورة الإسراء الآية /21/، هذا كله في العلو الإضافي.

وأما العلو الحقيقي فإنما هو لله تعالى: ( وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم) سورة البقرة /255/، وعلوه هذا محقق قبل الجهات والأماكن مفهوم بدون اعتبار النسب والإضافات، عام في جميع تجلياته على مخلوقاته بأسمائه وصفاته، وإنما يعرفه ويشهده أرباب البصائر والقلوب، ولتجلي نور توحيده بعلو فوقيته تعالى سبحة وله حجاب فسبحته صفة القهر وحجابه خلوص العبودية له قال تعالى: (وهو القاهر فوق عباده)، وإذا أردت أن تحقق أن فوقيته ليست فوقية مكان وإنما هي الفوقية الحقيقية بقهر الربوبية للعبودية فتفكر في حديث (كان الله ولا شيء معه) ولم يتجدد له بخلقه السموات علو ولا بخلقه الأرض نزول ولا بخلقه العرش استواء – أي بمعنى الجلوس والاستقرار والمماسة – وإنما عن تجلي أسمائه وصفاته نشأت أعداد مخلوقاته غير مماسة له ولا منتسبة إليه بفوق ولا تحت ولا شيء من الجهات، قال تعالى: (سبِّح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوَّى) سورة الأعلى الآية /1-2/، فوصفه بالأعلى حال اتصافه بالخلق فدل على أن علوه محقق قبل الخلق، وكذا قال (وما قدروا الله حق قدره) سورة الزمر الآية /67/، وصف نفسه آخر الآية بالعلو والتنزه بعد ذكره قبضه للأرض وطيه للسماء فدل على أن علوه علو حقيقي لا مكاني.

وتأمل قوله تعالى: ( وهو القاهر فوق عباده) مع قول فرعون عن بني إسرائيل: (سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون) سورة الأعراف الآية /127/، فهل يفهم أحد أن فرعون ادعى أنه فوق بني إسرائيل بالمكان أو بالجهة وإنما ادعى الربوبية بقوله: (أنا ربكم الأعلى) سورة النازعات الآية /24/، كان من لازم دعواه ادعاء الفوقية اللائقة بالربوبية وهي الفوقية الحقيقية بالقهر فلذلك قال: (وإنا فوقهم قاهرون) لا جرم كذبه الله تعالى في الأمرين فكذبه في قوله تعالى: (أنا ربكم الأعلى) بقوله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم: (لا تخف إنك أنت الأعلى) سورة طه الآية /68/، وكذبه في قهره بقوله تعالى: (فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضلّ فرعون قومه وما هدى) سورة طه الآية /79/.

تنبيه: لما ادعى فرعون الربوبية واعتقد الجهة لله تعالى قال: ( ياهامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) سورة غافر الآية /36/، فرد الله تعالى عليه وسخّف سوء رأيه بقوله: (وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصُدّ عن السبيل) /37/ أي عدل عن سبيل القرب والدنو من إله موسى فإنه تنزه عن علو المكان وإنما يصعد إليه بالكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، أين هو من قول موسى صلى الله عليه وسلم: (وعجلت إليك ربِّ لترضى) سورة طه الآية /84/، مع أنه لم يبنِ له صرح ولا احتاج في الدنو والقرب إلى صعود السماء ولا جناح، وكذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث جاء ربه بقلب سليم ووهب له لسان صدق علي فكان مجيئه إليه ووصوله إليه وعلوه بسلامة القلب وصدق اللسان لا بالتسور وبالصعود للمكان، وقد ثبت إيواء الله تعالى للمؤمنين في قوله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم) سورة الأنفال الآية /26/، وفي صحيح البخاري عن أبي واقد الليثي أن ثلاثة حضروا حلقة فدخل أحدهم الحلقة والثاني جلس خلفهم والثالث أدبر ذاهباً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله والآخر استحى فاستحى الله منه والآخر أعرض فأعرض الله عنه) فنبه صلى الله عليه وسلم على أن الداخل أوى إلى الله فآواه الله مع العلم بأنه ليس الإيواء في الآية والحديث باعتبار مكان، وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القِبلة فقال: (ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فينخع أمامه أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه) فدل على أنه ليس مخصوصاً بجهة فوق وإلا لما كان قبلة المصلي وأمامه.

وبالجملة فالأحاديث الدالة على عموم إحاطة ربنا سبحانه – أي بعلمه – بجميع الجهات وعدم اختصاصه كثيرة والقصد قد حصل بما ذكرناه.

انتهى من كتاب /رد المتشابه إلى المحكم/ المنسوب إلى الشيخ ابن عربي رحمه الله تعالى ونُسب للشيخ محمد بان اللّبان الشعري رحمه الله تعالى
منقول من موقع الشيخ عبد الهادى خرسة
http://abdalhadialkharsa.net/index.php?act=viewCat&catId=2

الخميس، 18 ديسمبر 2008

ولعلـه أدرى به !

هذه الأبيات معزوة لأبي تمام؛ وهي مشهورة عنه رحمه الله:

من لي بإنسان إذا أغضبتـه * وجهلت كان الحلمَ ردُّ جـوابه
وإذا طربت إلى المدام شربت من * أخلاقه وسكرت من آدابه
وتـراه يصغى للحديث بقلبه * وبسمعـه ولعلـه أدرى به !

الاثنين، 17 نوفمبر 2008

بحث للشيخ (علي جمعة) من كتاب (البيان لما يشغل الأذهان) من موقع (دار الإفتاء المصرية) ما حكم إطلاق اللحية ؟


بحث للشيخ (علي جمعة) من كتاب (البيان لما يشغل الأذهان) من موقع (دار الإفتاء المصرية)

ما حكم إطلاق اللحية ؟

ورد الأمر بإطلاق اللحية وإعفائها في أكثر من حديث نبوي منها : قوله صلى الله عليه وسلم : «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب»([1])، وقد اختلف الفقهاء بشأن دلالة هذا الأمر النبوي، هل هو للوجوب أو للندب ؟ فذهب جمهور الفقهاء أنه للوجوب، وذهب الشافعية إلى أنه للندب، وقد كثرت نصوص علماء المذهب الشافعي في تقرير هذا الحكم عندهم ،نذكر منها ما يلي :
قول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري : « (و) يكره (نتفها) أي اللحية أول طلوعها إيثارًا للمرودة وحسن الصورة»([2]). وقد علق العلامة الرملي على هذا الكلام في حاشيته على كتاب أسنى المطالب بقوله : « (قوله : ويكره نتفها) أي اللحية إلخ، ومثله حلقها؛ فقول الحليمي في منهاجه لا يحل لأحد أن يحلق لحيته، ولا حاجبيه ضعيف»([3]).
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله ما نصه : « (فرع) ذكروا هنا في اللحية ونحوها خصالاً مكروهة؛ منها : نتفها، وحلقها، وكذا الحاجبان»([4]). وأكد ذلك الكلام الإمام ابن قاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج ،حيث قال : « قوله : (أو يحرم كان خلاف المعتمد) في شرح العباب : فائدة : قال الشيخان : يكره حلق اللحية»([5])، وقال العلامة البيجرمي في شرحه على الخطيب ما نصه : « إن حلق اللحية مكروه حتى من الرجل وليس حرامًا»([6]). وذكر الرجل هنا ليس مقابل المرأة، بل مقابل الشاب الصغير؛ حيث كان السياق أنه كان يكره حلقها أو طلوعها للشاب الصغير، فعلق بأن أول طلوعها ليس قيدًا، بل يكره للرجل الكبير كذلك.
وقد جاء القول بكراهة حلق اللحية عن غير الشافعية، من هؤلاء الإمام القاضي عياض رحمه الله صاحب كتاب الشفاء ،وأحد أئمة المالكية ؛حيث قال : « يكره حلقها وقصها وتحريقها»([7]).
ويبدو أن من ذهب إلى القول بوجوب إطلاق اللحية، وحرمة حلقها من الفقهاء لاحظ أمرًا زائدًا على النص النبوي، وهي أن حلقها كان معيبًا، ومخالفة لشكل البشر وقتها، ويُعير الإنسان به، ويُشار إليه في الطرقات، قال الرملي في حديثه عن التعزير وأنه لا يجوز أن يكون بحلق اللحية : «قوله : لا لحيته. قال شيخنا : لأن حلقها مُثلة له، ويشتد تعييره بذلك»([8]).
فإن تعلق الأمر بالعادة قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب، واللحية من العادات، وذهب الفقهاء للقول بندب أشياء كثيرة ورد فيها النص النبوي صريحًا بالأمر؛ وذلك لتعلقه بالعادة، فعلى سبيل المثال قوله صلى الله عليه وسلم : «غيروا الشيب ولا تتشبهوا بأعدائكم من المشركين، وخير ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم »([9]).
فصيغة الأمر في حديث تغير المشيب لا تقل صراحة عنها في حديث إطلاق اللحية، ولكن لما كان تغيير المشيب ليس مستنكرًا في المجتمع تركه وفعله، ذهب الفقهاء للقول بندب تغيير المشيب، ولم يذهبوا إلى القول بوجوبه.
وعلى هذا المنوال سار علماء الإسلام، فتشددوا في وضع القبعة على الرأس، ولبس الإفرنجة، وذهبوا إلى القول بكفر من فعل ذلك، لا لأن هذا الفعل كفر في ذاته، وإنما لدلالة هذا الفعل وقتها على الكفر، ولما سار لبس الإفرنجة هو عادة القوم، لم يقل أحد من علماء الإسلام بكفر من لبسه.
فإن حكم اللحية في أيام السلف، وكل أهل الأرض كافرهم ومسلمهم يطلقونها، وليس هناك مسوغ لحلقها ؛كان خلافيًّا بين الجمهور الذين أوجبوا إطلاقها، والشافعية الذين اعتبروا إطلاقها سنة، ولا يأثم حالقها.
ولذا نرى تحتم العمل بقول الشافعية في هذا الزمان خاصة، وقد تغيرت العادات، فحلق اللحية مكروه، وإطلاقها سنة يثاب عليها المسلم، مع الأخذ في الاعتبار بحسن مظهرها، وتهذيبها بما يتناسب مع الوجه وحسن مظهر المسلم، والله تعالى أعلى وأعلم.


([1]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج5 ص 2209، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 222.
([2]) أسنى المطالب، للشيخ زكريا الأنصاري، ج1 ص551.
([3]) حاشية أسنى المطالب، للعلامة الرملي ، ج1 ص551.
([4]) تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن حجر الهيتمي، ج 9 ص 375، 376.
([5]) حاشية تحفة المحتاج شرح المنهاج، لابن قاسم العبادي، ج 9 ص 375، 376.
([6]) حاشية البيجرمي على شرح الخطيب، ج4 ص 346.
([7]) نقل ذلك الحافظ العراقي في كتابه طرح التثريب ج2 ص83، والإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ج1 ص 143.
([8]) حاشية أسنى المطالب، للعلامة الرملي، ج4 ص162.
([9]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج5 ص 2209، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 222.


********************

أخبر صديقك: